facebooktwitteryoutuberss

أشرف فريق من الباحثين من كل من إسبانيا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والمكسيك مقالا بحثيا بعنوان “جينوم قديم في شمال إفريقيا دليل على وجود هجرات من الشرق الأدنى وإفريقيا في حقبة ما قبل التاريخ” قاموا فيه بتحليل أصل حمض نووي قديم استخرج من بقايا بشرية تعود للعصر الحجري الحديث في المغرب.

ووقع على البحث باحثون من قسم الوراثة التابع لجامعة ستاندارد في الولايات المتحدة الأمريكية، والمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث في المغرب، وقسم حقبة ما قبل التاريخ التابع لجامعة “لالاغونا” الإسبانية، وقسم علوم الآثار بجامعة دورهام البريطانية، وقسم العلوم التاريخية بجامعة لاس بالماس بجزر الكناري، والمختبر الدولي للبحث في الجينوم البشري في جامعة المكسيك، وقسم الإيكولوجيا وبيولوجيا التطور بجامعة كاليفورنيا، والمعهد الدولي لبحوث ما قبل التاريخ في مدينة “كانطابريا” الإسبانية.
ويعتبر تحول المجتمعات المعتمدة على الصيد وقطف الثمار إلى مجتمعات زراعية من الانتقالات البشرية الأولى في التاريخ البشري وربما أهمها. وشكل ما يطلق عليه “ثورة العهد الحجري الحديث” (العصر النيوليتكي) الذي انطلق في الشرق الأدنى حوالي 13.000 سنة قبل الميلاد موضوع نقاش طويل ومتشعب. فهل ارتبطت ثورة العهد الحجري الحديث بمسار له اتصال بالهجرة أم هو نتاج تأقلم الإنسان مع محيطه؟ لقد أظهر الحمض النووي المستخرج من بقايا بشرية تعود إلى العهد الحجري الحديث في المغرب أن اكتساب التقنيات الزراعية في شمال إفريقيا ارتبطت بحركة الأفكار والأشخاص أيضا.
ومن المعلوم أن اكتساب تقنيات الزراعة والرعي كان حاسما في نجاح المجتمعات الإنسانية. لكن طريقة انتشار هذه الثورة النيوليتيكية انطلاقا من أصولها في منطقة الهلال الخصيب شكلت مركز نقاش محتدم بين المختصين. ومن وجهة النظر التاريخية، جرى اقتراح نموذجين اثنين لتفسير الانتقال النيوليتيكي: الأول يتحدث عن حركة الأشخاص والآخر يتأسس على حركة الأفكار.
ومكن تطور تقنيات تحليل الحمض النووي للمجتمعات القديمة من حل إشكالية الثورة النيوليتيكية على المستوى الإقليمي. لكن أغلب هذه الأبحاث تمت في أوربا والشرق الأدنى تاركة مناطق مهمة أخرى دون بحث، ومنها منطقة شمال إفريقيا التي لها أهمية خاصة نظرا لإمكانية الاتصالات البحرية النيوليتيكية مع القارة الأوربية عبر مضيق جبل طارق.
ولمعالجة هذه الإشكالية، طور فريق دولي من الباحثين مشروع تعاون دولي لاسترجاع وتحليل الحمض النووي للمجتمعات النيوليتيكية في المغرب. وتشير نتائجه إلى أن أفراد الحقبة النيوليتيكية الحديثة، المؤرخة بشكل تقريبي في العام 5000 قبل الميلاد، كانت لهم تركيبة جينية شبيهة بأفراد العهد الحجري في شمال إفريقيا (15.000 قبل الميلاد).
وبالرغم من ذلك، لا يشترك أفراد العهد النيوليتيكي المتأخر، تقريبا حوالي 3000 سنة قبل الميلاد، إلا في نصف ما كان يمتلكه أسلافهم مقارنة بالمجتمعات النيوليتيكية الأولى والعهد الحجري في شمال إفريقيا. والمثير هو أن النصف الآخر المتبقي لأسلافهم يرتبط بأفراد ينتمون إلى الحقبة النيوليتيكية في جنوب إسبانيا، مما يعطي الانطباع عن وجود هجرة قامت بها ساكنة أوربا عبر مضيق جبل طارق خلال الفترة الممتدة بين الحقبة النيوليتيكية الأولى والمتأخرة.
وتشير هذه النتائج إلى أن المراحل الأولى للتنقل النيوليتيكي في شمال إفريقيا تطورت انطلاقا من مجتمعات محلية اتخذت نفس الابتكارات التقنية المستعملة في المناطق المجاورة، بالرغم من أن التطور النيوليتيكي التالي تحكمت فيه هجرات المجتمعات النيوليتيكية الأوربية الأصل.
ويتعلق الأمر ببحث له نتائج كبرى تخص شمال إفريقيا في حقبة ما قبل التاريخ، لأنه طالما اعتقد أن التأثير الأوربي على هذه المنطقة تمّ انطلاقا من الغزوات الرومانية والبربرية، مما جعل النتائج المترتبة عن هذا البحث تغير هذه النظرة بالكامل وتُرجع وصول المجتمعات الأوربية الأولى إلى شمال إفريقيا إلى الحقبة النيوليتيكية.
ونشر البحث في المجلة الأمريكية المتخصصة “Proceedings of the National Academy of Sciences” التي تعتبر من أهم المجلات العلمية المحترمة في العالم.

جديد الاغاني